قصة وتعليق بقلم / محمد إقبال حرب …. تعليق / أيمن دراوشة

محمد إقبال حرب

محمد إقبال حرب

رأي وتعليق/ أيمن دراوشة

ما يميز قصص الكاتب الشاعر اللبناني محمد إقبال حرب المعاصرة واستمداد مادتها من الواقع، واحيانًا الواقع والخيال معًا والذي ظهر جليًا في قصص أخرى لهذا الكاتب المبدع.

في قصته “بصق حقارته” اعتنى مؤلفها بالسرد المنظم والمتسلسل، وغير المنظم لسلوك شخصية من شخوص هذه القصة الجريئة.

تستند القصة على جوانب مختلفة مثل الواقع والعاطفة وسوء فهم الدين، وأيضًا الجوانب الاجتماعية والخلقية…

فاضت القصة في مقدمتها بحوادث ربما هي حوادث بسيطة للوصول إلى الحدث الأساس في زمن واحد مما جعلها تصل إلى حالة الاكتمال لجوانب النضج الفني والتحليل والمعالجة.

بداية قوية + وسط مثير + نهاية غير متوقعة = قصة ناجحة بكل المقاييس.

اتَّحدت هذه الأجزاء جميعًا في وحدة عضوية واحدة، وبنية تحتية لم يُصبْها الهدم والانهيار.

 اكتسب مَنْ خَطَّ هذه القصة درجة عالية من البراعة والتصوير والإقناع، لأنَّ المجال الذي يتحرك فيه من حيث الزمان والمكان والأحداث والشخصيات – مجال ضيق محدود.

لقد قدَّم لنا محمد إقبال حرب نموذجًا من الواقع، في حالة الانحراف والتخلف والهمجية فقدم لنا فنًّا حقيقيًّا لا تشوبه أية شائبة، فكانت محركة وفعالة للوعي الأخلاقي كونها ستستحوذ على اهتمام القارئ دون أدنى شك.

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-

بصق حقارته / قصة قصيرة / بقلم / محمد إقبال حرب

يعج سوق الخضار بأصوات النسوة اللاتي حضرن للتزود بما يكفي لمؤونة اليوم. الزوج سيعود منهكاً مزمجراً من يومه الحافل في العمل. سيكون الطعام الوسيلة الوحيدة لإسكاته وتهدئة ما به غضب جمعه من بستان الفقر والمذلة في وطن يعاني فيه الجميع. كذلك الأطفال سيقتحمون الدار ويحتلون طاولة السفرة بانتظار ما يسكت معدتهم واحتجاجاتهم قبل الأكل وبعده. كل سيدة تحاول اقتناص ما تيسر من الخضار قبل التوجه إلى سوق اللحم لتنجز مهمة عسكرية تمكنها من الفوز بقطعة تكفي الجميع.

تسترق كل سيدة النظر إلى ما في جيبها من دراهم معدودة قبل اتخاذ القرار السيادي في بذل المال الراكد في بحيرة ثروتها الجافة. عندما تكون إحداهن جائعة تشتري بشجاعة أكبر، في تهور كما قالت سميرة. دائمًا ما تفتخر سميرة بأنها تعلمت من الراديو أهم نصيحة في حياتها: لا تذهبي إلى السوق وأنت جائعة. تلك النصيحة جعلتها توفر بعض المال الذي مكنها من شراء إسورة ذهبية، كلفتها ضربًا مبرحًا من زوجها الذي لم يتفهم فلسفة التوفير من الزينة. لكنها لم تتوقف عن الفخر بإنجازها فكانت تعطي نصيحتها الذهبية إلى صديقاتها. اليوم هو دور صديقتها آية التي كانت متورمة العين، مزرقة الخد نتيجة مشادة كلامية مع زوجها الذي فاز بالجولة. لكن آية أصرت على أن زوجها قد اعتذر منها آخر الليل. ضحكت سميرة وقالت: لا بدَّ أنه قال نال منك وطرًا بعد الاعتذار… احمرَّ خد آية الآخر وابتسمت بخجل أربكه صوت قريب: الله أكبر

تناثرت أشلاء سميرة وآية، تبعثر الزمن في حضن اللحظة التي انسكبت في زجاجة الموت، اختلطت بالحزن، والفجيعة، بالرعب والإرهاب… زجاجة الأمن مزقها الإرهاب…. آية وسميرة تركا أسرتين وأصحاب وأقارب في قارب الفجيعة يحرقهم الحزن. من سيجمع الأشلاء؟! من يجرؤ على جمعها؟! من سيعرف من؟
زوج آية سيعرفها من خدها الأزرق، زوج سميرة سيعرفها من إسورتها اليتيمة. سيعرفان أوصالًا وينزفان كل مشاعرهم الإنسانية لجمع جسد كان لساعات رمزًا لملاك الحب كيوبيد.

تسارعت أجهزة الدولة بعدما أيقظها صوت الانفجار من سبات عميق فبثت بيانًا من البيانات المعدة مسبقًا لمثل هذه المفاجآت. الإذاعات ووكالات الأنباء تتسابق الخبر، وسائل التواصل تعصف بصور الخراب الذي غطى مساحة كبيرة من السوق اليومي بزخات من النجيع المتفجر، كما امتزجت الخضار واللحوم بأوصال وبقايا بشرية تفوح من بعضها رائحة شواء آدمي تقشعر لها أبدان الأحياء. فيما ضربت الشرطة طوقًا أمنيًا منيعًا حول مكان الحادث. سيارات الإسعاف وعامليها هم فقط من يخترقون هذا السور مع خبراء المتفجرات وضباط الأمن والمخابرات.

وسط هذا الزلزال الذي حصل منذ ساعتين وصل رجل يبدو عليه الوجل، حاول اختراق الطوق الأمني من عدة أماكن دون جدوى. نهره رجل أمن صلف فصرخ به: زوجتي بين القتلى وهي بحالة جيدة.
استغرب رجل الأمن وقال: لا أفهم، بين القتلى وبحالة جيدة!!

الرجل: لا وقت للشرح، فليس لدي إلا بضع ساعات.

رجل الأمن: لا وقت لدي لأحاجيك… أغرب عن وجهي قبل أن أقبض عليك بتهمة تعطيل الأمن في ظرف طارئ.

الرجل محاولاً الدخول: لا تفهم، إنه أمر شرعي، لا وقت لدي، لم يتبق إلا ساعتين.

 في هذه الأثناء سقطت امرأة على الأرض وغاب رجل عن الوعي قرب رجل الأمن، فيما العشرات ممن لم يتحملوا المشهد يغيبون عن الوعي. هم رجل الأمن بمساعدة الرجل والمرأة وهو في حيرة من اختيار الضحية الأحوج لمساعدته. استغل الرجل انشغال رجل الأمن وانطلق صوب جثة زوجته وأخذ يجرها من رجليها دون التأكد من موتها. دخل بها باب دكان وأغلق الباب من الداخل.

لمحه رجل الأمن ركض خلفه محاولًا فتح الباب، لكن الرجل كان أسرع منع في إقفال باب الدكان. اتصل رجل الأمن بالضابط الذي أرسل فرقة عسكرية لاقتحام المكان خوفًا أنْ يكون الرجل إرهابيًا مزنَّرًا بحزام ناسف أو ما شابه. فجأة فتح رجال الأمن الباب فوجدوا الرجل عاريًا فوق جثة المرأة يفتعل بها.

انتزعه رجل أمن من على المرأة فيما يغطيها رجل آخر بما تيسر ليستر عورتها. أخذ رجال الأمن يضربونه بقسوة وانتقام لفعلته فيما يقول بعضهم: لا بُدَّ أنه معتوه.

رد الرجل: تبًّا لكم هذه زوجتي وهذه خلوة شرعية. لا وقت لأخذ الجثة إلى المنزل ونكاحها هناك.

انصدم الضابط: ماذا؟ خلوة شرعية مع جثة ميتة في حادث اهتز له العالم.
الرجل: ألا تفهم بأنَّ شيخنا قد أفتي بنكاح الزوجة الميتة خلال ست ساعات، ولم يفت الأوان بعد. أنا لا أقوم إلا بما حلل الشرع.

الضابط: أي شرع هذا الذي يفتي بعدم احترام الموت، وعدم احترامك للمشاعر الانسانية في ظرف هز العالم بكاءً وحزنًا واستنكارا.

الرجل: أستطيع الحزن والبكاء لاحقًا، لكن لا أستطيع نكاح زوجتي لاحقًا… إنه النكاح الأخير قبل فوات الأوان.

 جَرَّه رجل الأمن وهو يشتم ويلعن متشبثًا بفتوى شيخ مختل عقليًا ليفترس جثة هامدة، فيما الجثة المدنَّسة تلعن عمرًا أهدرته مع زوج لم يفكر إلا باستغلال جسدها وحياتها بل يصر على اعتصار بقايا إنسانيتها من جسد قتلته شظية إرهاب فقرر بصق حقارته فيه.

Print Friendly, PDF & Email

Be Sociable, Share!




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *