قراءة نقدية في قصتين قصيرتين / بقلم : الناقد الأدبي الأردني / أيمن دراوشة

أيمن دراوشة

أيمن دراوشة

قراءة نقدية في قصتين قصيرتين

قراءة نقدية / بقلم / الناقد الأدبي الأردني / أيمن دراوشة

القصة الأولى / نافذةّ / للكاتبة زينب موسى …من لبنان

من الشّرفة المغلفة، تسلّلت شفاه زرقاء، حاصرتها استغاثات هواء كَبُلَ بأوصاد محكمة.

من مسافة ليست بعيدة، تجحظ عينا ذاك الشرطي، وهو يقهقه لتلك الشّارة الحمراء.

…………………….

تفاعلت القصة مع معطيات العصر الحديث، وتأثرت بأفكاره وفلسفاته، مما عكست أزمة الإنسانية المعاصرة، ولا شك ان إيقاع الحياة المعاصرة السريع والواضح قد أثر في بنية القصة من حيث المضمون والحجم، فكانت القصة القصيرة الأكثر انتشارًا بين الفنون الأدبية التي تواكب طبيعة هذا العصر ونبضه الصاروخي المتلاحق.

في قصة نافذة اعتمدت الكاتبة على الغموض وصعوبة التفكيك النصي لمجريات الحدث، وأول ما يلفت نظرنا أنَّ عنوان القصة، لم يذكر في النص بتاتًا، وإن كان هناك ما يشير له (الشرفة)، وهذا يدلل على براعة الكاتبة باللعب على وتر العنوان.

ومن الملاحظ أيضًا تساوي عدد كلمات المقطع الأول، بعدد كلمات المقطع الثاني (12 كلمة لكل مقطع)، وهذا يدلل أيضا على التناسق اللفظي، والتقابل المثير خاصة إذا كان هذا التقابل عفويًا،

كما انَّ ما يميز القصة في خبرها المروي هو تفكك الأجزاء بين المقطعين، وكأنك تشعر بأن كل مقطع حدث منفصل مختلف، فما علاقة الشرطي والإشارة الحمراء، بالشرفة، وهل اتصف الحدث بالتكامل والمعقولية، وهل تحقق وحدة الأثر كون هناك صعوبة بان نعمل ربطًا لوحدة الحدث؟

يبدو أن النص يتقدمه (الحب)، وكتم الحرية لمعتقدات موروثة، وربما كان هو الفكرة المحورية في هذه اللوحة النثرية التي نسجت الكاتبة من حوله خيوطها الفنية المتشابكة المعقدة، ولهذا فأستبعد شذوذها عن الاتجاه الرومنسي.

الإشارة الحمراء من الفتاة وصلت للمترقب خارجًا (الشرطي)، لتكتمل الصورة، والبناء الكامل للقصة، فيما تميزت النهاية بعدم الافتعال، فالشرطي والإشارة الحمراء لم يكونا عضوًا غريبًا مصطنعًا تحاول الكاتبة زرعه في جسد القصة، ونتساءل وقد وصلنا للنهاية (ماذا بعد؟) (ماذا حدث بعد ذلك) فالنهاية غير محدودة تتمثل في انعكاس الأثر في نفوس القراء.

………………………..

  القصة الثانية / تابع / هنادي مصطفى /سوريا

ورد اسمي ضمن قائمة لوائح الكتب. أقاموا عليَّ الدراسات… وبعد قيامهم بالتفتيش والتمحيص، قرروا مصادرة أفكاري.

تنتمي القصة إلى صنف القصة الومضة التي تعتمد على التكثيف المعنوي الأكثر منه لفظيًا، والتي تعتمد على النهاية الصادمة كعنصرٍ أساس في هذا النوع من القصص.

تعالج الكاتبة قضية هامة في عصرنا الحديث، وهي قضية مصادرة الفكر، وتكبيل الحريات قبل الأفواه؛ لتتجاوز الكاتبة حدود الذات إلى إطار أوسع، هو إطار الفكر المجتمعي المرفوض من أجهزة الرقابة والتفتيش.

ونلاحظ مؤشر لاتساع مدى الرؤية ونضوج التجربة الإنسانية التي عمَّقت من قيمة هذه القصة الومضة، وأضفت عليها طابع الشمولية.

وقد صورت لنا الكاتبة الحدث مكتملًا دون نقصان ذا مراحل ثلاث، بداية ووسط ونهاية، ففي البداية ورود الاسم في قائمة لوائح الكتب فتبلورت عوامل ترتبت عليها نمو الحدث بشكل معين، ثم نما الخبر من خلال تلك البداية وتشابكت فيه العناصر، (وأقاموا عليّ الدراسات) واخيرًا نهاية تحقق فيها اكتمال الحدث (مصادرة الفكر الحر) وهي نقطة التنوير التي كشفت بها الكاتبة المعنى الذي حاولت إيصاله إلينا.

……………………………………………

Print Friendly

Be Sociable, Share!