قراءة في قصيدة رحيل للدكتورة سوزان إسماعيل

أيمن دراوشة

أيمن دراوشة

قراءة في قصيدة رحيل للشاعرة د. سوزان إسماعيل، وهي القصيدة الفائزة بالمرتبة الأولى في مسابقة الشعر النثري الأولى لعام 2018 في الهراديبة.

’’ رحيل ’’

شعر / د. سوزان إسماعيل

قراءة / أيمن دراوشة

يظهر القصد الفني لدى الشاعرة، وينكشف بنوع من العفوية، ويحطم تصور الشعر بوصفه تدفقًا عفويًا، ذلك أنَّ الشعر إبداع ينطوي على ضروب من القصد، وكذلك احتضان التجربة، ومعاناة الخلق الفني، وهو هنا يحطم ويركب، ويكشف عن النسب بين المعاني، ويبني الأساليب والأفكار والصور.

وقد يخفى هذا القصد ويحتجب، وقد ينكشف ويظهر، كما هو الحال تمامًا في نص رحيل.

ويتردد في قصيدة الدكتورة سوزان إسماعيل صورة الهجران بكثرة، فهي الفكرة الأساس التي صاغت فيه نصها، فمزجت بين وعييها التخيلي بين أنواع من الهجران.

 عندما يرتدُّ الصّدى

 صرخُتك تصمُّ أذنيْك

 تتناثرُ على صخرِ مشاعرٍ

 يصدمُك الهجرانُ والجفى

 يعرّيك… وتتبعثرُ سرائرُ

 رويدًا.. رويدًا

في المقطع السابق ينتهي التحليل الجمالي إلى صم الأذنين والتعري والتبعثر رويداً رويدًا، مما يوحي بفكرة مثال ونموذج يجسِّد الخصائص الجمالية في وعي الشاعرة، مما يشير على انهيار الحب والبراءة أمام سطوة الهجران والجفاء والبعد.

تنتقل الشاعرة لتعبر عن ثورتها من خلال الأنا وصرخة الأنثى الحائرة من الهجر الأليم، ليتجاوز ثنائية الفكر والعاطفة، مما يضعنا أمام فهم عاطفي للفكر، متحول بإكسير الخيال إلى صور ومجازات، فإذا نحن أمام وحدة جامعة بين الفكر والشعور، وجعل الفلسفة شعرًا والشعر فلسفة على مبدأ الرومنتيكيين.

حين تضجُّ الأنا ثائرةً

 وتصرخُ الأنوثةُ حائرةً

 خجلى من كبرياءٍ جُرِحَ

 ومن هجرٍ أليمٍ صدحَ

 

واللغة لدى الشاعرة ليست مجرد أداة نقلية ضمن أدوات أخرى، مما أفضت إلى سبيل إلى الإيحاء المكشوف دون ترميز أو غموض كما هو حال الشعراء الرمزيين.

فقدَ الصّمتُ هيبتَه

 لم تعدْ تُسمعُ آثارُ خطوةٍ

 حتى طيفُك تخفّى بغيمةٍ

 شراعُ الشّوقِ تكسَّرَ

 وصرحٌ في الهوى هوى

 لم يبقَ همسٌ ونفذَ الانتظارُ

 أُشعِلَتْ مراكبُ الحنينِ

 وهُدِّمَتْ مرافئُ الغرامِ

لا شك أنَّ عاطفة الشاعرة الجياشة الصادقة هي التي أضفت على الصور هذه الروائع وساهمت في إبرازها، إذ تتجلى بوضوح بتكرارها واتلاشى، وتمثلت الفقرة الأخيرة من القصيدة بقدرة الشاعرة على وصف الحالة، ووصف المشاهد حية لا ساكنة، فالصور ناطقة متحركة وموحية، ويظهر الصراع في القصيدة بين الرحيل وبين الذكريات، وصراع بين الرحيل والأمنيات، ويبدو هذا الصراع يعبر عن عوامل نفسية متصارعة في نفس الشاعرة، فهو يتأرجح بين إحساس باليأس الفردي يظهر في المقطع الثاني من القصيدة، وبين الرحيل النهائي في ختام القصيدة.

ويمكن القول أنَّ هذه القصيدة قد احتوت على كثير من الانفعال العنيف، وروعة التصوير، بالإضافة إلى جو السرد، وبناء القصيدة به وحدة عضوية واضحة تتمثل في الرؤية الشعرية والصور التي تنبع من الانفعال والخيال.

منهكةٌ أنا.. أتعبَني الجوى

 سألملمُ جراحي وبعضُ ذكريات

 ستفتقدُ حبّي وكثيرُ أمنيات

 سأتدثَّرُ بثوبِ الرّحيلِ

 سأنكفئُ على ذاتي

 وأتلاشى

 أتلاشى

 أتلاشى

Print Friendly, PDF & Email

Be Sociable, Share!




اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *