جماليات الأداء الفني في نصوص الكاتب حليم أبو ندا – بقلم / أيمن دراوشة

___ذ_è__

جماليات الأداء الفني في نصوص الكاتب حليم أبو ندا

بقلم / الناقد الادبي الأردني / أيمن دراوشة

النص الأدبي بشكل عام لا يفتح مغاليقه بمجرد مرورنا البصري عليه ، فالعلاقات اللغوية تتداخل ، والدلالات يقترض من بعضها من دلالات سواها. فهناك من يقول أن تصوير الأزهار والعطور في الجنة أمتع من تصوير اللهيب والدخان في جهنم.

في كتابات حليم أبو ندا المختصرة ، والتي تعتمد على الجانب النغمي يلفتنا هذا الحس الموسيقي بطريقة توافق الفواصل في نهاية كل جملة :

تاهت مني كلماتي

وتبعثرت حروفي

فلملمت افكاري

وكتبت معاناتي

غربة طويلة خرجت عن حدود المكان والزمان ، لتصبح قضية أو أسطورة لا – ماهية – لها – ومعادلة مجهولة القوانين.

ليس بغريب

فقد رحلت                                                            

كما رحل

الآخرون

في هذا المقطع الذي لا يمكن أن نعده شعرًا أو نثرًا لكن ربما خلطنا بين الاثنين ، يتحدث الكاتب عن رحيل المعشوقة ، هذا الرحيل الذي يعني المعاناة والعذاب ، والحزن والبكاء ، الضياع والمنفى ، الحيرة والاضطراب…

الأسلوب الفني عند حليم أبو ندا هو الأنا الفردي لكن اللغة هي الانا الجمعي ، ومثال ذلك قوله :

دعيني أعود للماضي

وسأترك لك الحاضر

بحلوه ومره

فالنص النثري أو الشعري هو من يموضع الذات ، ويقدم الموضوع مذوتًا. واللغة عند كاتبنا هي اللغة الواقعية ، وهذا بحد ذاته موقف محمل بالإثارة والثورة والتفجير ، حتى لو مزج الكاتب بين العامية الشعبية والفصحى.

تتميز أعمال حليم بالتنوع والتحكم بأدوات اللغة ، فنجد نصوصًا تعاني من الحب والهجران والرحيل والغدر والخيانة ، هذا يدخِل الكاتب في دوامة التناقض وهذا مأخذ على الكاتب أن يحاول تجنبه قدر الإمكان.

وتحمل بعض النصوص لدى حليم صبغة فلسفية وربما وعظية مما يدخلها في المباشرة والتقريرية أحيانًا ، وفي أغلي الاحيان تتحول نصوصه إلى حكم وأمثال …

قمة الوقاحة

أن تظن السوء بالآخرين

كتابات أبو ندا نموذج للنصوص الباكية المتألمة الصارخة ، في دوامة السؤال والحيرة والاضطراب ، وهذا سبب كاف ليناقض الكاتب نفسه في نص آخر مباشرة.

تتحول الكتابة عند الكاتب لنزيف دائم أغلب الأحيان ، وفي وسط مساحات الخرائب والهزائم والإحباطات ، فهي تتحرك بمدار مأساوي لا تلبث أن تحطم جدارًا حتى تصطدم بجدار آخر …

 

يستخدم أبو ندا أسلوب الإيجاز مع النهاية الصادمة في بعض نصوصه ، وأسلوب الإيجاز يتبعها أكثر الكتاب ، كونها الأكثر قراءة والأكثر اختصارًا للوقت ، وهذا ليس بعيب ، وإنما من إحدى الأسباب التي فرضتها حياة السرعة ومواقع التواصل الاجتماعي.

في غيابك

أصبح الكل

غريب

ومنها قوله:

قدرنا ألا نفترق

وكذلك قوله :

عندما سمعتها أيقنت أنها جميلة

أما الوحدة العضوية فهي غير موجودة حسب التعريف المعروف من توحد الأفكار والمشاعر في صورة مرتبة تصاعدية نحو نهاية ضرورية ، وهي ليست صورة متنامية شيئًا فشيئًا ، حتى تبلغ الذروة ، وإنما هي خيط شعوري وفكري موحد الانحناءات للنص الأدبي الذي يعلو وينخفض في إطار إيقاع التجربة الكلية.

ارحل يا محتل .. فسيأتيك الأجل ..

حتى لو اختبأت وراء جبل

وسينطق الحجر والشجر في يوم أجل

وقوله:
فاصبحت للفراش طريح
وغديت للمعاناة ذبيح

منحنا
قلوبنا لمن لا يستحقونها
فأماتوا قلوبنا

المأساة إذن تركيب فجائعي بين الرؤيا والواقع ، وقد كان من الممكن تجاوز هذا الواقع ، إلا أن تركيبه الدرامي مع الرؤيا قد جعله جدارًا صعب التجاوز والتخطي ، ويبقى الكاتب حليم أبو ندا بعد كل هذا الكاتب الذي حمل بعمق كل معاني الحنين والحب والغربة والوطن والتشبث بالأرض والثبات …

Print Friendly, PDF & Email

Be Sociable, Share!