بعض القصائد .. إيقاع جديد ملائم لطبيعة البنية بامتياز – بقلم / بيان العلمي – قراءة نقدية / أيمن دراوشة

أيمن دراوشة

بيان العلمي

 

النص:

بعض القصائد أبهى من الوردِ

عطرًا وأندى من سواقي الأرب

فلا تترك الأرض بعدكَ للعابرين

من غير عزفٍ على خاصرة الحرف ، حرفي

لأن الكلام بقايا انزياحٍ

والأغنيات شغَبْ

وتدري بأنّي أحبّ الصباح الذي

ينتظرنا هناك كقطر الكلامِ

وشهد العِنَبْ

وتعلمُ أنَّ الضفافَ عواصمُ ماءٍ

وأنَّ الجفافَ بقايا حريقٍ وجمرٍ لَهب

فلا تُشرعِ الآن بابَ السؤال

لعلّ الذي لم يعدُ من هناك

سيلقي ظلاله فوق

الأريكة بعد التعبْ…!        

القراءة النقدية

لعل الدراسة النقدية لأي نص أدبي فصل من باب لا بدَّ مما ليس منه بد ، وقصيدة الكاتبة المغربية بيان العلمي ( بعض القصائد) مرآة صادقة للبحث عن هذه الهوية ، ومقياساً صحيحاً للترتيب العادل .

(بعض القصائد) عنوان القصيدة وعنوان أي عمل فني هو دلالة كلية تنطوي على أبعادٍ عميقة ، وتحوي معانٍ شامل.

هو الكلمات التي تختصر التفاصيل وتجمع الأشتات ، وهو البداية والنهاية ، والجوهر الذي تدور في مداراته عناصر القصيدة.

القصيدة هي المعرفة التي سرقها الإنسان واستحق من أجلها الحب والتضحية والموت ، والمعرفة هي الخطوة الأولى على عتبة الحب ، والقصيدة في جوهرها هي الكشف عن أسرار هذا الحب صاحب المضمون الواسع والمعاني العميقة.

القصيدة هي الشعر ، والحب هو الثورة ، وكلاهما ملتقى إبداع وفي جدلية دائمة وحركة لا متناهية…

ليست (بعض القصائد) قصيدة غرامية وعناق وَقُبَل بقدر ما هي صدى أودية وابتهالات ، وقد بدأت الكاتبة قصيدتها بالورد لتنثر عطرها الشذي على كافة أرجاء القصيدة ، لتجعل من بعض القصائد والورد ترادف منقطع النظير، بل القصائد أكثر ندية من سواقي الأرب وأكثر عطراً من الورد ذاته ، ومن هنا تبدأ صاحبة النص في الإبحار بعالم قصيدتها الساحر لتبدأ الملامة والعتاب من خلال استخدام أسلوب المخاطبة ( أنت).                                                              

                                                             

بعض القصائد أبهى من الوردِ

عطرًا وأندى من سواقي الأرب

فلا تترك الأرض بعدكَ للعابرين

من غير عزفٍ على خاصرة الحرف ، حرفي

حين يكبر الجرح في الأعماق ، وتعظم التجربة لا تَجدي لُغة الكلام (فالعزف هنا) نوع من الارتباط والانتماء والهوية…

وعندما يسكن الحب الخالص القلوب ، تستحيل الغربة إلى هم جمعي ، إذن لا تُشْرعْ بالأسئلة فأنت أعلم بإجاباتها ، وقد بلغت القصيدة ذروتها بالصورة الفنية الجديدة المبتكرة من خلال أسلوب المقابلة في الشطرين :                        

وتعلمُ أنَّ الضفافَ عواصمُ ماءٍ

وأنَّ الجفافَ بقايا حريقٍ وجمرٍ لَهب

الضفاف- الجفاف / عواصم ماء / حريق وجمر ولهب.

فقد بلغت درجت البراعة في التوازن بين الأصالة والمعاصرة ، باستعمالها اللغة الواقعية البسيطة مع احتفاظها بعناصر الأصالة فيها ، وحققت الكاتبة بيان العلمي بلغتها الواقعية المثالية شيئين هما : الابتعاد عن الغموض الذي سقط فيه الكثيرون ، والتعبير عما عجز عنه الآخرون.  

لقد اختارت الكاتبة بعض الألفاظ لمناخ القصيدة اختياراً ينم عن خبرة حقيقية في التعامل مع المادة اللغوية ، (خاصرة الحرف- بقايا انزياح- الأغنيات شغب- قطر الكلام – شهد العنب – عواصم ماء – الجفاف بقايا حريق).

كما أنَّ للحرف دلالة ووظيفة في تكوين المعنى وتحديده ، كاستحدام الكاتبة للحرف الانفجاري الباء (الأرب – الشغب – العنب) ، والسين يتضمن أصولا ًتدخل فيها الليونة والسهولة ، والياء تناسب معاني النفس الداخلية ، فصفة الصوت تكون دائماً مع صفة الحدث …

لقد انتشرت الضربات الموسيقية في كل أجزاء القصيدة ، وهذا نجده في الحروف الصائتة والألفاظ ذات التناسب الصوتي والتقابل الموسيقي وتساوي الأشطر بعدد الكلمات:

فلا تُشرعِ الآن بابَ السؤال

لعلّ الذي لم يعدُ من هناك

سيلقي ظلاله فوق

الأريكة بعد التعبْ…!        

ويفيد وجود المد في بعض الكلمات الامتداد في الحركة التي تستغرق زمناً ليس بالقصير ( القصائد – أبهى – أندى – سواقي – العابرين – حرفي – الكلام – بقايا – انزياح – الأغنيات …) أو خلوها منه مثل: ( تترك – تدري – أحب – ينتظرنا …)

ومن الظواهر اللغوية التي تشدنا في هذه القصيدة استخدام الفعل المضارع ؛ لأنه يفيد الحضور المستمر والمتجدد حتى أنَّ الكاتبة لم تتحول للفعل الماضي نهائياً فلم ألمحُ أيَّ فعل ماضٍ في النص كلِّه ، وطبيعة الأسلوب الخبري التحول من المضارع إلى الماضي… وكان على الكاتبة تغليب المضارع على الماضي الذي لم أجد له حضوراً ولو قليلاً في النص والفعل الماضي عنصر هام في أي نص لما يشكل من عنصر علاقة تحويلية .. يحول الأشياء ، ويتحول بها ، فهو محاولة للتركيز على الجدلية القائمة على الحركة وبالتالي فالفعل تعبير عن حركة الانتقال من حالة إلى حالة ، وحركة التحول الدائم الذي لا يتوقف ولا يعرف الاستقرار ، فهو عنصر اضطراب وتوتر ودوران دائم حول حلقة لا تنغلق في الزمن ، ولهذا فعملية تقسيم الفعل إلى أزمنة متعددة ، تحديداً لحركة التقدم من ماضٍ إلى حاضر فمستقبل.

اتخذت الكاتبة من الصورة الوسيلة الفنية التي تنقل بها التجربة ، والطريق الأفضل للتعبير عن الحالة النفسية ، فهي توحي بأشياء متعددة (الكلام بقايا انزياح – قطر الكلام – شهد العنب …).

وكلها صور إيجابية وليست صوراً مركبة من صورتي الإيجابية والسلبية ،

وبعد هذه الدراسة السريعة لقصيدة بيان العلمي ننتهي إلى أن صاحبة النص أجادت تصريف اللغة واستخدام الصورة واستخدمت الشعر الحر كونه الأكثر قدرة على التغيير .  

Print Friendly, PDF & Email

Be Sociable, Share!